عداد الزوار

الفطره السليمه



بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
أحب أن ألفت الجاهلين بالإسلام والقاصرين فى فقهه إلى الخاصة الأولى فى هذا الدين ٬
وهى أنه دين الفطرة. فتعاليمه المنوعة فى كل شأن من شئون الحياة هى نداء الطبائع
السليمة والأفكار الصحيحة ٬ وتوجيهاته المبثوثة فى أصوله متنفس طلق لما تنشده النفوس
من كمال ٬ وتستريح إليه من قرار. وقد شغفت من أمد بعيد ببيان المشابه بين تراث الإسلام
المطمور ٬ وبين ما تنتهى إلية جلة المفكرين الأحرار فى أغلب النواحى النفسية والاجتماعية
والسياسية ٬ وأحصيت من وجوه الاتفاق ما دل على صدق التطابق بين وحى التجربة ووحى
السماء. أجل. فكما تتحد الإجابة السديدة على فم شخصين ألقى إليهما سؤالي واحد ٬
اتحد منطق الطبيعة الإنسانية الصالحة  وهى تتحسس طريقها إلى الخير  مع منطق
الأيات السماوية ٬ وهى تهدى الناس جميعاً إلى صراط مستقيم. ولعل احترامى للإسلام
وبقائى عليه يرجعان إلى ما لمسته بيدى من تجاوبه مع المطرة الراشدة ٬ فلو لم يكن دينا
من لدن عالم الغيب والشهادة ما وسعنى ولا وسع غيرى أن يخترع أفضل منه فى إقامة
صلاته بالله وبالناس. ولك أن تشك فى هذا الزعم وتحسبه تطرف رجل جامد ٬ لكن من حقى
أن أضع بين يديك مقارنات شتى لتنظر فيها ثم تحكم بعدها كيف تشاء. وكلمة نظرة تتسع
لدلالات متباينة ٬ فقد تختلف طبيعتى وطبيعتك فى الحكم على شىء واحد ٬ تذهب أنت إلى
تحسينه ٬ وأذهب إلى تقبيحه ٬ وقد تجنح فيه إلى أقصى اليمين ٬ وأجنح فيه إلى أقصى
اليسار.


فهل هناك ضوابط تمنع هذا التناقض الخطير؟. الجواب أن كلمة فطرة إذا أطلقت لا يصح أن
يراد بها إلا الفطرة السليمة ٬ فإن كل خلل يلحق الطبيعة لأى سبب لا يجوزأن يحسب منها ٬
ولا أن يحسب عليها. خذ مثلا الجنين.. المفروض أن ينزل من بطن أمه سوى الأعضاء
والمشاعر. فلو حدث أن ولد أعمى لعلة فى أحد أبويه. فإن هذا العمى عَرَض غريب على
الطبيعة التى يجب أن توجد كاملة. ومن ثم فإن هذا لا يغض من جعل البصر أصلا يقاس عليه
ويطرح ما عداه. وما يقال فى عالم الحيوان كذلك فى عالم النبات ٬ فالمفروض أن تجنى
الثمار وهى نقية من كل عيب يجيئها من عدو الحشرات والديدان. وعلى الزارع أن
يستجيدوا البذور ٬ ويستكملوا الوسائل حتى يحصدوا غراسهم كما شاء الله لها نقاءً وجمالاً.
وكل تشويه يعترض عظمة الفطرة وروعتها فهو شذوذ ينبغى أن يذاد ويباد ٬ لا أن يعترف به
ويسكت عليه. والمجتمع الإنسانى يجب أن يسير على هذا الغرار. فأصحاب الصحة النفسية
والعقلية ٬ وأصحاب الأمزجة المعتدلة ٬ والطباع المكتملة هم وحدهم الذين يسمع منهم
ويؤخذ عنهم. أما المعلولون والمنحرفون ٬ وذوو الأفكار المنحلة والغرائز المنحلة ٬ فهم كالثمار
المعطوبة فى عالم النبات أو الأجنة الشائهة فى عالم الحيوان ٬ ليسوا أمثلة لسلامة
الفطرة ٬ ولا يجوز أن يطمأن إلى أحكامهم ولا إلى آرائهم ٬ ولو بلغت بهم الجراءة أن يزعموا
نداء الطبيعة ومنطق الفطرة!!. إن نبى الإسلام لما قال للسائل عن البر: ` استفت قلبك ` ٬
لم يقدم هذا الجواب هدية لمجرم يستبيح الدماء ويغتال الحقوق. وما أكثر الذين تتسع
ضمائرهم للكبائر.!!


إنه ساق هذا الجواب النبيل لرجل يتحرج من الإلمام بصغيرة ٬ رجل سليم الفطرة شفاف
الجوهر عاشق للخير ٬ أراد النبى الكريم أن يريحه من عناء التساؤل والاستفتاء ٬ فرده إلى
فؤاده يستلهمه الرشد كلما تشابهت أمامه الأمور ٬ ويستريح إلى إجابته وإن أكثر عليه
المفتون.. هذا الرجل وأمثاله من أصحاب القلوب الكبيرة هم موازين العالم ٬ ومناراته الهادية.
وعندما تلمح مواريث الأجيال والحضارات المختلفة فى الشرق والغرب ترى أصحاب هذه
الفطر الراقية يرسلون الحكمة الغالية والوصاة الثمينة ٬ ويصرفون جهودهم لتقويم الأوضاع إذا
اعوجت ٬ وتقليل الأخطاء إذا شاعت. ولعمرى إن الحياة من غير هؤلاء باطل!! وكم كان جديرا
بالعالم أن يؤرخ لهم بدل أن يؤرخ للساسة والقادة من سفاكى الدماء ومذلى الشعوب. إلى
أصحاب هذه الفطر السليمة من كل جنس ولغة نلفت الأنظار لننتفع بهم. وإلى الدخلاء
عليهم من الأدباء المأجورين ٬ والصحافيين المنحرفين ٬ وأصحاب الفنون القوادة إلى الخلاعة
والعبث نلفت الأنظار كى نحذر على أنفسنا ومستقبلنا. فقد كثر فى الدنيا من يدعو إلى
تعرية الأجسام والأرواح من لباس التقوى والفضيلة باسم أن ذلك عود إلى الطبيعة وتمشّ
مع الفطرة!!. والحق أن دَوْر هؤلاء بين الناس هو دَوْر الجراثيم ` الفطرية ` فى إعطاب الثمار
وإمراض الأبدان ٬ أى أنهم خطر على الطبيعة الصحيحة والفطرة السليمة. وإذا شرحنا
وظيفة الفطرة السليمة فى تعرف الحق وتعريفه فيجدر بنا أن ننبه إلى أمر آخر ٬ هو أن كثرة
البضاعة من نصوص السماء لا تغنى فتيلاً فى نفع صاحبها ٬ أو فى نفع الناس بما عنده إذا
كان مُلتاث الطبيعة مريض الفطرة. ما قيمة المنظار المقرب أو المكبِّر لدى امرئ فقد بصره؟.!


مقدمة كتاب جدد حياتك 
للغزالى


0 التعليقات: